الاثنين، 22 فبراير 2016

قصتي مع فيللا الحمدانية " قصة قصيرة من تحديات أنواع الرواية - البيكاريسك"

قصتي هذه التي سأقصها عليكم ليست الوحيدة في سلسلة مغامراتي ، و لا اﻷخيرة ؛ إنما هي المفضلة لدي بينهم جميعاً؛ و بما أن اﻷفضل دوماً للأفضل فها أنا أحكيها لكم اليوم :
كان ذلك اليوم الذي طالبتني فيه السلطات بإخلاء غرفتي في مدرسةٍ ثانويةٍ لم يعد يرتدها أحد ؛ كنت قد توقعت أن تكون إحدى تلك المرات الكثيرة التي يحاولون بها الظهور كمن يسيطر على الوضع, فيبلغوننا بوجوب اﻹخلاء ثم يرحلون و ينسونا ، لكن عندما عادوا في اليوم التالي مع الكثير من المجندين و البنادق لأجد أشيائي و أشياء غيري مكدسةً في الشارع, عرفت بأن عليّ أن أرحل فعلاً .. نظرت لكَوم خردتي البالية ، و للأكوام اﻷخرى المجاورة .. لا شيء كان يستحق أن أحمله ، أحصيت ما أحمل معي من نقود : ألفان و ثمانمائةٍ و خمسٌ و عشرون ليرةً سورية لم أفكر كثيراً .. كنت أعرف تماماً أين سأذهب . 
أوقفت سيارة أجرة 
" _
عالحمدانية خاي "
" _
وين بالحمدانية " 
" _
فيللات الحمدانية حجي الله يرضى عليك " 
فتح السائق الكهل فمه ليقول شيئاً لكن هيئة ثيابي الرثة في مرآته اﻷمامية شرحت الموقف عني فهز رأسه و قال بحزم 
"- 500
ليرة"
"_ 400" 
"_
بأقل من 450 ما بدخل الحمدانية و الله" 
ناولته واحدةً من ورقات الخمسمائة اﻷربعة التي أملك فردّ لي ورقةً بخمسين, وضعتها في محفظتي شارداً و أنا أفكر .. كم تأخرت في اتخاذ هذه الخطوة ! كان علي أن أرحل منذ زمن ؛ ربما ما أبقاني كان طعام الجارة أم حسام اللذيذ ، أو ربما كان اﻹحساس باﻷمان .
"_
اﻷمان بالله " أفلتت الكلمات مني ليرددها السائق ورائي مصدقاً ثم يشغل الراديو لنستمع إلى نشرة اﻷخبار ؛ أخبار روسيا ، و إيران ، و لبنان ، و قطر ، و الحسكة ، و إدلب و جنودنا البواسل و العصابات اﻹرهابية و ... 
"_
عمو أكتر من هيك ما فيني ادخل ، بخاف شي قناص يروحلي البلور" 
كنت سأطالبه بإعادة خمسين ليرة سورية لكن منظر الفيلل الفارهة من بعيد زاد من حماستي ، لم أكن في مزاجٍ للشجار ، لم يكن عليّ أن أدفع مقدماً على كل حال ، هي طيبة قلبي تجعلني دوماً أخسر الكثير من المال . 
انتبهت لكلام السائق عن القناص فمشيت حذراً أتخير موضع خطواتي، مستتراً بالجدران و اﻷبنية ؛ و من بين اﻷبنية اﻷنيقة ما خرب منها و ما بقي وجدت ضالتي : بناءُ جميلٌ بسقفٍ قرميديٍّ أحمر ، نوافذ محكمة اﻹغلاق و الكثير من التراب على العتبة أمام الباب . لم يكن فتح القفل بمشكلة, فقد سبق و كسره من نهب البيت ، من حسن حظي أنه كان على عجلة من أمره فترك أكثر المفروشات على حالها و يا لها من مفروشات و يا له من قصر ! 
جدرانٌ مكسوةٌ بالخشب الصقيل ، لوحاتٌ مذّهبةٌ و ستائر مطرزة ، طاولاتٌ مزخرفةٌ و وسائد طرية ، نافورة ماءٍ مرمريةٍ و زهرياتٌ نحاسيةٌ ضخمة ! كان بالفعل قصراً ؛ و بالقليل من البحث و الكثير من الحظ وجدت تلفازاً في غرفة اﻷطفال ، مولدة كهرباء و مخزوناً من الوقود يكفي شهوراً ،بالإضافة لمعلباتٍ كثيرةٍ في المطبخ, من تركوا البيت تركوه على عجل ! فلم يفرغوا حتى خزائن ثيابهم ، كان لمالك البيت السابق نفس بنيتي و خزانته كانت مليئةً بأجود أنواع الثياب ؛ نعم يا سيدي أصبت ، هذا المعطف الذي أرتديه اليوم هو أحدها ، هو فعلاً من الجلد اﻷصلي ، أبيعه لك بثمنٍ بخس ، جربه لو أحببت ، سأبيعه لك بثلاثة آلاف ليرةٍ سوريةٍ فقط ، هو ثمنٌ قليلٌ حقاً على معطف كدت ألقى حتفي ﻷحصل عليه ؛ أجل كدت ألقى حتفي فاستمع لباقي القصة و فكر ملياً ، إنه معطفٌ رائعٌ دافئ ، ثلاثة آلافٍ ليست مبلغاً كبيراً . 

المهم أنني أنهيت جولتي على القصر, و رتبت ما وجدت من أشياء, و خلال بضع ساعاتٍ كنت أجلس على أريكةٍ جلديةٍ طرية, أشاهد قنواتٍ فضائيةٍ على التلفاز، متدفئاً بالموقد الحجري الضخم ، أتناول الإندومي و اللحم المعلب مع صلصة الطماطم؛ كنت حينها كمن يملك الكون . بعض الانفجارات و الاهتزازات ما كانت لتخيفني ، أو حتى لتمنعني من الاستمتاع بفردوسي الجديد . لم أكن وحيداً في الفردوس ، بضعة أسرٍ كانت قد لجأت بدورها إلى فيلل أخرى مجاورة ، تؤنسني أصوات لعب أطفالهم في الجنائن عند هدوء الغارات الجوية ، و يضحكني توتر أمهاتهم و شتائمهن و هن يجررن اﻷطفال ساعة القصف .
لكن حظي لم يستمر طويلاً .. فاﻷشقياء من أمثالنا لم يكتب لهم أن يعيشوا في القصور ، فقد انهار فردوسي فجأةً حين تطاير الزجاج في كل مكان, لينتهي الحلم كما بدأ بقرارٍ بالرحيل ، لا يا سيدتي ليست هذه الندبة على وجهي من الزجاج المتطاير و لم يستخرجني أحد من بين اﻷنقاض ، فالصاروخ لم يستهدف فردوسي إنما الفيللا المجاورة ، فانهارت جدران غرفها اﻷمامية بأكملها و تلوث الهواء بالغبار و رائحة الدماء . تمالكتُ صدمتي بسرعةٍ و خرجت مرتدياً معطفي هذا ، نعم هو يليق بك جدا يا سيدي ، جدياً بثلاثة آلافٍ فقط! أما زلت تفكر ! 


















في الخارج كانت الرؤيا أوضح ، جثثٌ ثلاثةٌ مترامية, إحداها تمزقت أطرافها ، رجل جريحٌ يصرخ تجرّه امرأةٌ و بضعة أطفالٍ باكين ، نادتني المرأة لكنني كنت منشغلاً ، كان عليّ أن أسرع قبل أن يأتي غيري ! ربما أحد أولئك اﻷطفال كان ليشغلني و ينتشل تلك القلادة الذهبية و اﻷساور عن الجثة القريبة منهم ، الجثة الممزقة أيضاً كانت تحمل محفظةً بها مبلغٌ يسير ، الجثة الثالثة كانت خالية الوفاض ، ربما كانت لمسكينٍ مثلي .
لا طبعاً لست شخصاً شريراً ! أنا فقط رجلٌ يحاول أن يكسب عيشه دون أن يؤذي أحد ؛ كنت فقط أستغل الفرصة السانحة ، هم كانوا قد رحلوا ؛ للقدر طريقةٌ فريدةٌ في اختيار من سيرحل .. لا طبعاً لست مُلحداً ! أنا أصلي كل جمعةٍ في الجامع و أردد اﻷدعية وراء الشيخ ؛ ليلعن الله اليهود واﻷمريكان و يخسف اﻷرض بولاة قطر و تركيا ، أما أوروبا فسيعاني شعبها حتما من القمل و الجراد ، فأنا أدعو دوماً عليهم مع الشيخ بعد صلاة الجمعة ؛ المهم أن القدر .. أو الله .. أن الله له طريقةٌ فريدةٌ في اختيار من سيرحل ، هو فقط بستجيب دعاءنا : " ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به " هم ما كانت لديهم طاقةٌ كافيةٌ لاحتمال الحياة فرحمهم الله و رحلوا ، أما أنا فلديّ الكثير من الطاقة ، طاقة البقاء ، لذا أجيد استغلال الفرص ، كانت فرصةً سانحةً حينها، ﻷستحق البقاء كان عليّ أن أستغلها ؛ و حين كنت أنهي تفتيش الجثة الثالثة سمعت صفيراً قرب أذني ، و أحسست بالدّم الدافئ على خدّي ؛ كان قناصاً من أهداني هذه الندبة سيدتي ؛ قمت مسرعاً و أخذت أناوره ، كان مصرّاً على اقتناصي ، لكن كما قلت لكم : لدي طاقة البقاء ، أجَدّتُ الهرب منه و الاحتماء بالأحجار و اﻷشجار ، فيما رصاصاته تتفجر حولي و تلاحقني ، لكنني استحققت الحياة ، و ما أن خرجت عن مدى رصاصاته حتى عدوت بأسرع ما يمكنني ، مكتفياً من القصور و غنائمها و حين ابتعدت كفاية, وقفت ﻷلتقط أنفاسي و أبحث عن طريقٍ جديد ، شوقٌ لطعام أم حسام دلني فاتصلت بحسام ،و عرفت انهم انتقلوا للحرم الجامعي و عرض علي بكل شهامةٍ مساعدته التي قبلتها طبعا ، الحرم الجامعي كان فكرةً ممتازة, فهناك تعرفت على سعاد و أخيها المجند علي ؛ و لكنها قصةٌ أخرى, أحكيها لكم يوماً ما . 
أعجبك المعطف سيدي ؟ مباركٌ عليك ، مبارك ؛ ثلاثة آلافٍ ليست مبلغاً كبيراً ، كدت أموت يومها ! ثلاثة آلاف .. قد تساوي حياة إنسان.

ليست هناك تعليقات: